ابن عجيبة
599
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
لعله يخلصني . قال ابن عطية : يحتمل أن يذكره بعلمه ومكانته ، ويحتمل أن يذكره بمظلمته وما امتحن به بغير حق . أو يذكره بهما . ه . وقال الورتجبي : يحتمل أن قوله : اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ : عرّف له طريقتى مع اللّه حتى يعرفني أنى رسول اللّه ، ويطيعني في طاعة اللّه ، وينجو بذلك من عذابه ، ويصل إلى ثوابه ، ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ، وليوحد اللّه تعالى ، ويتخلص من كيد الشيطان ، وما معه من الإنسان . ه . فَأَنْساهُ الشَّيْطانُ ذِكْرَ رَبِّهِ أي : فأنسى الساقي أن يذكر يوسف لربه . أو أنسى يوسف ذكر اللّه حتى استغاث بغير ، فأدبه ، فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ ، وفي الحديث عنه صلّى اللّه عليه وسلّم : « رحم اللّه أخي يوسف ، لو لم يقل : اذكرني عند ربّك ، لما لبث في السّجن سبعا بعد الخمس » . روى أن جبريل عليه السّلام أتاه بعد المقالة ، فقال له : من أخرجك من الجبّ ، وخلّصك من القتل ، وعصمك من الفاحشة ؟ فقال : اللّه . فقال : كيف تعتصم بغيره ، وتثق بالمخلوق ، وترفع قصتك إليه ، وتترك ربك ؟ ! قال : يا جبريل ؛ كلمات جرت على لساني ، وأنا تائب لا أعود لمثلها . ه . والاستعانة بالمخلوق ، وإن كانت جائزة شرعا ، لكنها لا تليق بمقام الأقوياء . فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ البضع : من الثلاث إلى التسع . روى أن يوسف عليه السّلام سجن خمس سنين أولا ، ثم سجن بعد المقالة سبع سنين . الإشارة : النسيان والغفلة التي لا تثبت في القلب ، والخواطر التي ترد وتذهب من أوصاف البشرية التي لا تنافى الخصوصية ، إذ لا انفكاك للعبد عنها . قال تعالى : إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذا مَسَّهُمْ طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا فَإِذا هُمْ مُبْصِرُونَ « 1 » فالطيف لا ينجو منه أحد ؛ لأنه من جملة أوصاف العبودية التي بها تعرف كمالات الربوبية . وقد قال تعالى في حق سيد العارفين : وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ « 2 » ؛ فالعصمة التي تجب للأنبياء إنما هي مما يوجب نقصا أو غضا من مرتبتهم . وهذه الأمور إنما توجب كمالا ؛ لأنها بها يتحقق كمال العبودية التي هي شرف العبد . فافهم وسلم ، ولا تنتقد ، فإن هذه الأمور لا يفهمها إلا العارفون باللّه ، دون غيرهم من أهل العلم الظاهر . وقال الورتجبي : إن يوسف عليه السّلام لم يعلم وقت إيمان الملك ، ولم يأت وقت دخوله في الإسلام ، فأنساه الشيطان ذكر ربه ، في سابق حكمه ، على تقدير وقت إيمان الملك ، فلبث في السجن إلى وقت إيمان الملك ، فنسيان يوسف : احتجابه عن النظر إلى قدره السابق . ه .
--> ( 1 ) من الآية 201 من سورة الأعراف . ( 2 ) من الآية 200 من سورة الأعراف .